الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

475

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

سورة الانفطار [ 17 ] . وجملة : نارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ جواب عن جملة وَما أَدْراكَ مَا الْحُطَمَةُ مفيد مجموعهما بيان الحطمة ما هي ، وموقع الجملة موقع الاستئناف البياني ، والتقدير هي ، أي الحطمة نار اللّه ، فحذف المبتدأ من الجملة جريا على طريقة استعمال أمثاله من كل إخبار عن شيء بعد تقدم حديث عنه وأوصاف له ، وقد تقدم عند قوله تعالى : صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ في سورة البقرة [ 18 ] . وإضافة نارُ إلى اسم الجلالة للترويع بها بأنها نار خلقها القادر على خلق الأمور العظيمة . ووصف نارُ ب « موقدة » ، وهو اسم مفعول من : أوقد النار ، إذا أشعلها وألهبها . والتوقد : ابتداء التهاب النار فإذا صارت جمرا فقد خفّ لهبها ، أو زال ، فوصف نارُ ب « موقدة » يفيد أنها لا تزال تلتهب ولا يزول لهيبها . وهذا كما وصفت نار الأخدود بذات الوقود ( بفتح الواو ) في سورة البروج ، أي النار التي يجدد اتقادها بوقود وهو الحطب الذي يلقى في النار لتتقد فليس الوصف بالموقدة هنا تأكيدا . ووصفت نارُ اللَّهِ وصفا ثانيا ب الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ . والاطلاع يجوز أن يكون بمعنى الإتيان مبالغة في طلع ، أي الإتيان السريع بقوة واستيلاء ، فالمعنى : التي تنفذ إلى الأفئدة فتحرقها في وقت حرق ظاهر الجسد . وأن يكون بمعنى الكشف والمشاهدة قال تعالى : فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَواءِ الْجَحِيمِ [ الصافات : 55 ] فيفيد أن النار تحرق الأفئدة إحراق العالم بما تحتوي عليه الأفئدة من الكفر فتصيب كل فؤاد بما هو كفاؤه من شدة الحرق على حسب مبلغ سوء اعتقاده ، وذلك بتقدير من اللّه بين شدة النار وقابلية المتأثر بها لا يعلمه إلا مقدّره . [ 8 ، 9 ] [ سورة الهمزة ( 104 ) : الآيات 8 إلى 9 ] إِنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ ( 8 ) فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ ( 9 ) هذه جملة يجوز أن تكون صفة ثالثة ل نارُ اللَّهِ [ الهمزة : 6 ] بدون عاطف ، ويجوز أن تكون مستأنفة استئنافا ابتدائيا وتأكيدها ب ( إنّ ) لتهويل الوعيد بما ينفي عنه احتمال المجاز أو المبالغة . وموصدة : اسم مفعول من أوصد الباب ، إذا أغلقه غلقا مطبقا . ويقال : آصد